هكذا كانت نشأة "اليازا" وبداية نشاطها في لبنان
بقلم مؤسس اليازا زياد عقل
لقد كان موت طارق عاصي سبباً رئيساً لدفع زميله في دراسة الهندسة في الجامعة الأميركية في بيروت زياد عقل إلى تأسيس جمعية "يازا" حيث يروي ما يلي لموقع www.yasa.org:
في تشرين الأول 1993، التقيت بالشاب طارق عاصي لأول مرة في كلية الهندسة في الجامعة الأميركية في بيروت حيث كنا نخضع لامتحانات دخول تميزت بمنافسة حادة بين آلاف من الطلاب المرشحين.
بعد أن تم قبولنا في الجامعة، شاءت الصدف أننا كنا نسكن في نفس البلدة "الحازمية"، فاتفقنا على استعمال سيارة أحدنا مداورة كل يوم للذهاب معاً إلى الجامعة والعودة منها.
مع مرور الوقت، ومع ظروف الدرس الشاق في التحصيل العلمي، نشأت بيني وبين طارق عاصي أواصر صداقة متينة اتسمت بالمحبة والإحترام المتبادلين.
ذات يوم، في 18 آب 1994، أوصلني طارق بسيارته إلى المنزل ثم توجه إلى بلدة والدته "صغبين" في البقاع الغربي، بينما توجهت أنا إلى بلدة والدتي "إهدن" في الشمال لمدة أربعة أيام من أجل المذاكرة والتحضير الجيد لامتحانات نهاية الفصل.
بعد عودتي من إهدن في 22 آب وكان يوم اثنين، توجهت مباشرة إلى منزل "أعز أصدقائي" لأصطحبه معي إلى الجامعة!....
لدى وصولي إلى منزل طارق، انتظرته لبعض الوقت ولكنه تأخر في الخروج على غير عادته!.. فأخذت استعمل منبه سيارتي بلطف بقصد استعجاله وإلا تأخرنا إلى الجامعة.
وبعد أن بدأ بعض الجيران بالظهور على الشرفات ولم يظهر طارق، ترجلت من السيارة وتوجهت مسرعاً إلى مدخل منزله غير مدرك لما سأكتشفه بعد لحظة... يا للهول، يا للكابوس المزعج... غير معقول... لا بد أنني أحلم... لا بد أن هذه الصورة لشخص آخر...
صُعقتُ لهول ما رأيت... لقد رأيتُ صورة طارق مع بيان ينعيه على الباب الذي كنت أنتظر خروجه منه!.... يا إلهي! لم أدرِ كم مرّ من وقت قبل أن بدأتُ استعيد رباطة جأشي وأستوعبُ الوضع بعض الشيء.
صدمة ما قبلها وما بعدها صدمة... لقد كانت المرة الأولى التي أقف فيها مشدوهاً أمام مفاجأة الموت وهيبته، وموت من؟...
لملمت نفسي وجراحي وتوجهت متثاقلاً إلى تربل في وسط البقاع حيث قرية طارق ومثواه الأخير!..
وهناك أيضاً في تربل حيث حصل ما حصل، فعندما رآني أهل طارق وخاصة والدته المفجوعة التي كانت تعتبرني بمثابة ولدها... كأنهم رؤوا طارق... كأن طارق عاد من جديد... حقيقةً، أعجز عن وصف تلك اللحظات وما جرى فيها من أمور وتصرفات مؤثِّرة...
كانت تلك أول صدمة أتلقاها في حياتي ولكنها للأسف لم تكن الأخيرة!..
فبعد مرور نحو سنة ونصف على خسارة طارق، تلقيت صدمة أخرى كبيرة تمثلت بموت إبن عمي "أندره" عقل (19 سنة)، أيضاً بحادث سير مفجع!..
كانت هاتان الصدمتان كافيتان لحثي على اتخاذ قرار حاسم حيث كنتُ على مفترق طرق، فإما أن أنسى ما حصل وأتابع دراسة الهندسة، وإما أن أختار طريقاً آخراً لعمل شيئ ما لمواجهة مشكلة حوادث المرور المتفاقمة والتخفيف من خطرها المتعاظم يوماً بعد يوم وتأثيرها المأسوي على أفراد المجتمع ... فكان الخيار الثاني، وهكذا انطلقت الشرارة الأولى لتأسيس منظمة"اليازا"..
تهدف نشاطات "اليازا" على سبيل الذكر وليس الحصر، إلى تحقيق ما يلي:
سلامة الأطفال.
سلامة المشاة.
صيانة الطرق والبنى التحتية.
الحد من استهلاك الكحول أثناء القيادة، ومخاطر الإرهاق والنعاس.
السلامة في استعمال المركبات على فئاتها: السيارات، الشاحنات، الباصات، الدراجات النارية والهوائية.
تطوير أنظمة منح إجازات السوق، وتطوير برامج تحسين القيادة.
تطوير أنظمة الإسعاف والطوارئ.
زيادة التعاون الدولي للوقاية من مختلف أنواع الإصابات.
بعد أن حازت اليازا عام 1996 على "العلم والخبر" كجمعية أهلية غير حكومية في لبنان، انطلقت "يازا الدولية" في العام 2001 عبر نشاطات وبرامج عديدة هادفة إلى تطوير السلامة العامة في لبنان وفي عدد من الدول العربية. من هذه البرامج:
"برنامج تحسين السائق"
يهدف "برنامج تحسين السائق" إلى تعليم سائقي سائر فئات المركبات، القدامى منهم والجدد، للإرتقاء بمهاراتهم إلى أعلى المراتب، عبر ورشة عمل مدتها 4 ساعات، يتم التركيز خلالها على مبادئ القيادة الوقائية، وينفذها مدرِّبون متخصصون من ذوي الخبرة العالمية. فالبرنامج يتطرق إلى مختلف تصادمات الطرق بالدراسة والتحليل بحيث يصبح المشارك قادراً على تمييز أي تصادم، معرفة أسبابه، وكيفية الوقاية منه. وهذا بحد ذاته، يُعتبَر إنجازاً مهماً على تطوير السلامة المرورية.
في نهاية الدورة، يخضع المشاركون إلى إمتحان خطي قبل استلامهم شهادات تقدير تؤكد التزامهم بحسن القيادة، كما يستلم كل منهم نسخة من كتاب "دليل السائق"، ونسخة من كتاب "أسئلة وأجوبة تعلم السوق" ونشرات اليازا.
"مشروع تعليم مبادئ القيادة السليمة لجيل الغد"
لقد سعت اليازا ولا تزال، إلى نشر التوعية لكافة المواطنين وخاصة الجيل الصاعد حول مواضيع السلامة العامة والوقاية من الحوادث من خلال شراكات عديدة مع مؤسسات إعلامية وتربوية. فأما ما يخص الجيل الصاعد بعمر 6-13 سنة، فإن اليازا بدأت منذ العام 1998 بتوعيتهم حول السلامة المرورية عبر "مشروع تعليم مبادئ القيادة السليمة لجيل الغد" تماشياً مع القول المأثور "العلم في الصغر كالنقش في الحجر" وهو يعتمد مبدأ التثقيف الترفيهي ومكوَّن من مرحلتين، نظرية وتطبيقية. فالمرحلة النظرية تتضمن إرشادات حول أهمية استعمال: حزام الأمان في السيارة، الخوذة الواقية للدراجين، الأرصفة وأنفاق وجسور وممرات العبور للمشاة، وتوزََّع في نهايتها المناشير التوجيهية على التلاميذ لمناقشتها مع أهلهم وأصدقائهم. أما المرحلة التطبيقية، فتتضمن نقل سيارات صغيرة مجهزة بأحزمة أمان إلى داخل ملعب المدرسة المُعدَّل على هيئة طريق، حيث يقودها التلاميذ مستعملين الحزام والخوذة الواقية، وملتزمين بإشارات السير، ثم توزع عليهم الشهادات والصور التذكارية. وقد تم حتى تاريخه، توعية ما يزيد عن 200 ألف تلميذ.
إن اليازا لن تألُ أي جهد لبلوغ أهدافها الاستراتيجية متمنية السلامة للجميع، والله ولي التوفيق.